أزمة القراءة لدى أبناء الجيل المعاصر من الطلاب اليمنيين

تظل القراءة حجر الزاوية في عملية البناء المعرفي للأجيال، ولا تُقَيِّمُ الأممُ ذاتَـها لمعرفة مدى صوابية مسارها أو ارتكاسها في مهاوى الردى كما تفعله من خلال تَقْيِييم علاقة أفرادها بالقراءة، فأيما أمة لا تقرأ، أو حظها من القراءة ضعيف ومتواضع، فإنما هي ماضية بسرعة في طريقة منحدرٍ يمضي بها نحو العدمية، فالقراءة باختصار شديد هي مصنع العظماء، وعظمة الشخص ليست صفةً وراثية تَـمرُّ عبر الكروموسومات، وليست ملامح بدنية أو تقاسيم جمالية يتناقلها الآباء عن الأجداد إلى الأبناء بالأمشاج، إنما هي مَلَكَةٌ تُنَمَّى، ومَهَارةٌ تُكتَسَبُ، ومَيْلٌ يُغرسُ، واتجاهٌ نفسي وذهني يُبْذَرُ ثم يُسقَى فيثمر.

مسألة حُـبِّ القراءة في حياة الإنسان هي مسألة ٌذاتية شخصية، لا تُرمَى مسؤولية قصورها أو انعدامها على الأسرة والأبوين خصوصاً، فكم من الآباء لم ينالوا قسطاً كافياً من التعليم والتوعية اللازمة بأمور كثيرة أساسية في حياتهم، فيصبح تحميلهم خطأ إهمال غرس محبة القراءة لدى أبنائهم ضرباً من السفه واللامنطق، وليست المدرسة المسؤولة الوحيدة عن القصور الوجداني في إحلال القراءة مكانتها اللائقة في حياة الناشئة، وإن كانت تتحمل أكبر قدر من المسؤولية عنها، ومن هنا يظل الفرد نفسه هو الـمُـلامُ الأول عن ضعف علاقته بالقراءة أو الممدوح في حال عمقها وقوتها، والنماذج كثيرة جداً التي تخبرنا عن قصص شبابٍ نشأوا في بيئاتٍ أُسَريَّةٍ غير مشجعةٍ على القراءة فتجاوزوا كل الصعاب، بل ارتقوا عليها وجعلوها سلالم لينالوا مبتغاهم، حتى وصل بعضهم إلى درجة الإدمان على القراءة لا مجرد محبتها فقط.

إن نسيت شيئاً يقال عن القراءة فلن أنسى ما أخبرنا به ابن جامعة السوربون أستاذنا التونسي البروفيسور محمد الطاهر السبيطلي – أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة صنعاء سابقاً- عن مدى شيوع خاصية الإدمان على القراءة في الوسط الاجتماعي الفرنسي، فهو شاهدٌ على الطوابير الطويلة التي تمتد لمئات الأمتار على أرصفة الشوارع اللصيقة بالمكتبات العامة بباريس وغيرها من المدن الفرنسية في انتظار دورهم للحصول على مقعد خالٍ في المكتبة ليلبوا حاجتهم الأساسية (ولا أقول: ليمارسوا هوايتهم) من القراءة، وهذا البروفيسور نفسه كان ولا يزال في نظر أبنائه الطلاب -الذين أصبحَ عَدَدٌ منهم في عِدَادِ كِبَارِ الأكاديميين اليمنيين في الجامعات- هو الـشخصية المحورية في حياتهم العلمية ومسيرتهم التحصيلية التي رسمت المنعطف الأكبر نحو تميزهم ورقيهم، فبالقراءة التي كانت جنته وموضع ترويحه وجده وهزله كان صاحب الأثر الأبلغ فيمن تتلمذ على يديه.

ظاهرتان كبيرتان تتحملان المسؤولية الكبرى في اضمحلال الرغبة في القراءة لدى الأجيال المعاصرة من الطلاب اليمنيين – وغير اليمنيين- وفي التسبب في موات ميولـهم، وفي انعدام –أو ضعف- توجهاتهم الوجدانية والنفسية نحو القراءة، وبالتالي التدني الهائل في قدرتهم على التأثير في محيطهم وفي رسم معالم الوعي اللازم بين أفراد مجتمعهم اليمني، وبلوغ نسبة عالية بينهم دَرَجَة العَدَمِيَّةِ التامة في سُلَّمِ التأثير ومقياس الإسهام التوعوي، وهاتان الظاهرتان هما: ظاهرة شيوع الاستخدام الـمفرط لأجهزة الاتصال التكنولوجية الذكية، وظاهرة الانغماس التام في استخدام منابر شبكة التواصل الاجتماعي المتعددة، حيث يقضي سوادهم الأعظم منهم جُلَّ أوقاتهم تحت تأثيرها، وتأتي الحصيلة في شكل ضياعٍ للأعمار وخسارة لسنوات الشباب بلا نتيجة معرفية تخصصية كافية ولا حصيلة ثقافية عامة وفكرية مقنعة، وعلى عكس المأمول يكتسب الكثير منهم –أثناء صرف أوقاتهم في تلك المنابر التواصلية الاجتماعية- قدرات ملموسة في المناكفة الشخصية والمماحكات الشللية، ويرفعون أرصدتهم من العداوات والخصومات مع بعضهم بعضاً، أو مع شخصيات افتراضية في الفضاء الإلكتروني الذي لا ساحل له.

إن العلاج الوحيد من وجهة نظري، يتمثل في تقنين استخدام تلك الأجهزة الذكية، وفي تحديد زمن معلوم للوجود في منابر التواصل الاجتماعي، والتعاطي مع هذه الطريقة العلاجية بشكل بالغ الصرامة والحِدَّةِ من قبل الأفراد أنفسهم، مع تحديد وِرْدٍ –إن جاز استخدام هذا التعبير- يوميٍّ لازمِ الأداء من القراءة، مهما كان نوعها وميدانها ومجالها، فالمهمة الأولى يجب أن تتركز حول غرس الميل نحو القراءة وزراعة الاتجاه صوب التبرمج عليها، ولتصبح مَهَمَّةُ (ماذا أقرأ؟ّ!) مهمة تالية تأتي بعد التأقلم على أداء الوِرْدِ القرائي اليومي بشكل دائم كما لو كان أحد المناسك التعبدية والأنشطة البيولوجية الحياتية التي لا فكاك منها ولا مناص.

          راقت لي كثيراً تجربة انتشار نوادي القراءة في معظم المدن التركية التي يوجد بها فروع لاتحاد الطلاب اليمنيين، وهي خطوة عظيمة في الاتجاه الصحيح، ومهما رافقها من قصور وأخطاء إلا أن تنميتها وتهذيبها وتقييمها بشكل دائم سيؤدي إلى نتائج طيبة في الأخذ بيد أولئك الشباب الراغبين في القراءة ويغلبهم انجذابهم نحو الوقوع في شباك تلكم الظاهرتين المشار إليهما أعلاه.

أختم هذه الوقفة التي أتت على عجالة بالتأكيد على معنى مهم، وهو أن من يظن أو يحسب أن منابر التواصل الاجتماعي والإسهام في الحضور الكبير والدائم فيها هو نشاط معرفي يرفع الحصيلة الثقافية لدى الشخص فهو واهم بشكل عميق، بل هو غافل عن كونها تسرق منه أعز ما يملك وما لا يمكن تلافيه، وهو وقته الذي هو رأسماله الأساسي وثروته التي لا يمكن تعويضها بأي حال من الأحوال، وأن هذه المنابر التواصلية قد انحدرت بسبب سوء استخدامها من قبل مرتاديها، فبدلاً من كونها لـ (التواصل الاجتماعي) أصبحت أو كادت أن تصبح لـ (التناحر الاجتماعي).

د. عبدالغني علي الأهجري

أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية المشارك

جامعة صنعاء – وجامعة بورصة أولوداغ

مشاركة هذا المنشور

Share on facebook
Share on whatsapp
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on print
Share on email

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *